يرى أمين أيوب، محلل السياسات والمراسل المغربي، أن مصر تواجه أزمة هيكلية تهدد موقعها الإقليمي في شرق البحر المتوسط. على مدار عقود، اعتمد الغرب على دور مصر الحاسم في ضبط استقرار المنطقة، من اتفاقيات كامب ديفيد إلى الحرب العالمية على ما تدعي أنه إرهاب.

 

سمحت هذه المكانة للقاهرة بالحصول على مليارات الدولارات في المساعدات والتسليح الخارجي، إلا أن الأزمات الأخيرة فضحت فجوة بين القيمة الاستراتيجية المفترضة وقدرة الدولة الفعلية على الصمود.


انهيار رادع العبور


تحدد القوة الجيوسياسية الحديثة في الشرق الأوسط عبر التحكم بالبنية التحتية وأهمية خطوط الطاقة. وأبرز أصول مصر الاستراتيجية هي قناة السويس، لكن هذه الأهمية تتحقق فقط إذا امتلكت الدولة القدرة العسكرية السيادية للدفاع عنها. الحصار الذي فرضته جماعة الحوثي المدعومة من إيران على مضيق باب المندب تجاوز قدرة الجيش المصري، رغم امتلاكه أفضل أسطول بحري عربي، واعتمد على الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل لتحمل المخاطر والتكاليف.


أفادت بيانات هيئة قناة السويس والبنك المركزي أن الإيرادات هبطت من 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.99 مليار دولار في 2024، ما يشكل تراجعاً بنسبة 61% على أساس سنوي. وأدى استمرار النزيف المالي إلى عجز مقداره 10 مليارات دولار، مما يعكس فشل الدولة في حماية شريانها الاقتصادي الرئيسي ويضع استقرارها الإقليمي على المحك.


كشف التبعية في قطاع الطاقة


تفاقمت الأزمة في قطاع الطاقة، إذ اضطرت مصر لاستيراد 20 شحنة غاز طبيعي مسال طارئة خلال الشهر الحالي، ما كشف اعتمادها شبه الكامل على إعادة تصدير الغاز الإسرائيلي لتجنب انقطاعات التيار. وتعرضت طموحات القاهرة لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة للخطر نتيجة نقص الاستثمار المحلي واستنفاد الإنتاج في حقل ظهر، فضلاً عن ارتفاع الطلب الداخلي خلال موجات الحر أو اضطرابات الإمدادات الإقليمية.


تعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي لضمان استمرار الكهرباء، ما يحولها إلى مستهلك للأمن الإسرائيلي بدلاً من أن تكون شريكاً في الاستقرار الإقليمي. الدولة الحقيقية هي التي تتحكم في تدفقات الطاقة، لا التي تُجبر على التبعية لتجنب الانهيار.


هيكل الاقتصاد العسكري الريعي


يبين فشل مصر المستمر أمام الصدمات الخارجية عمق ضعف بنيتها الاقتصادية الداخلية، إذ يسيطر المجمع العسكري الصناعي على قطاعات واسعة مثل الزراعة والبنية التحتية الثقيلة، ما يخنق القطاع الخاص ويحد من الاستثمارات الأجنبية ويضعف صمود المدنيين الاقتصادي.

 

ويعتمد هذا النموذج على دورة ريع استغلالية: تستفيد الدولة من تهديد انهيارها الداخلي للحصول على دعم مالي مستمر من الخليج وصندوق النقد والدول الغربية، بينما تُستهلك ثروات الوطن لإبقاء النظام مستقرّاً وتهدئة صفوف الجيش، ما يترك الخزينة عاجزة عن تحديث الاقتصاد أو توسيع النفوذ العسكري خارج الحدود.


إعادة تقييم استراتيجي لواشنطن وتل أبيب


يشكل هذا الضعف البنيوي تهديداً لتوسيع اتفاقيات أبراهام وأمن البحر المتوسط، إذ ظلت واشنطن وتل أبيب تدعم هذا الهيكل على أساس أن مصر "كبيرة جداً لتفشل"، خوفاً من عودة الأخوان المسلمين على حدود إسرائيل الجنوبية. إلا أن استمرار وهم "عدم الاستغناء عن مصر" يفرض تكلفة استراتيجية غير مستدامة. يتعين على صانعي القرار التحرك نحو شركاء قادرين على فرض قوتهم على البنية التحتية والحفاظ على صمود اقتصادي سيادي، بعيداً عن اعتماد تقليدي على دولة غارقة الآن في عجز 10 مليارات دولار، وهو ضعف لم يعد بالإمكان تجاهله.

 

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/hk0j00u009zx#google_vignette